أزاح الممثل السوري سامر كحلاوي، الذي يجسّد شخصية الرائد يسار في مسلسل القيصر، الستار عن كواليس التدخل الرقابي الذي طال العمل، مشيراً إلى تلاعب مقصود في غرف المونتاج أفضى إلى بتر مشاهد تضمّنت شتائم موجّهة للأسد، مع الإبقاء في المقابل على الشتائم الموجّهة للشهيد الساروت -تقبّله الله- وجاء ذلك بالتوازي مع حظر استخدام اللّهجة التي خبرها السوريون على ألسنة ضباط النظام، تحت يافطة «الحفاظ على السلم الأهلي».
وهي ذريعةٌ تفضح في طياتها زيف ادعاءات التوثيق لحقبة مضت؛ فاستحقاقات السلم الأهلي لا تتطلب إخفاء الحقائق وطمس واقع هيمنة طائفة بعينها على مفاصل السلطة، بل إن ما يجري يمثل في جوهره عملية مسح ممنهج للذاكرة، تُمرّر خدمةً لمصالح ضيقة وإن اختبأت خلف عناوين وطنية عريضة.
تفتح هذه الواقعة نافذة عميقة على جوهر الصناعة الدرامية والسينمائية كقوة ناعمة تتمرّس في هندسة الدعاية السياسية، وترويج السرديات، وإعادة صياغة الوعي الجمعي. ولئن كانت هذه الصناعة بطبيعتها أداة طيّعة تحرّكها مطامح الشهرة وتوجهها بوصلة المال، فإنها تكشِف في المشهد السوري عن بيئة تجذّرت في نفعية متحلّلة من الضوابط الأخلاقية والقيمية.
وهنا يكمن الخطر الأكبر؛ إذ تُستثمر مناخات الحرية المستجدّة في سوريا لتتحول هذه المنابر إلى ماكينات لتشويه الذاكرة وتحريف الواقع، بمنأى عن ادعاءات التوثيق التي يتستّر خلفها صناع هذا المشهد إثر انهيار نظام الأسد.
وتتجلّى فداحة هذا المأزق في المرونة العالية التي يبديها أقطاب هذا المشهد ووجوهه في القفز بين المراكب، متذّرعين بشعارات الحريّة والتوثيق لتمرير سرديات هجينة تتماهى مع رغبات الممولين الجدد وتلبي مصالحهم.
وهنا واقعٌ يضعنا أمام استحقاق الإجابة عن تساؤل مشروع حول مآل تلك الأداة الناعمة التي تغذت على موائد الاستبداد ومنظومته الأمنيّة؛ فهذا الوسط في مجمله عدوُّ صريح للحريّة في زمن الاستبداد، وملوّثٌ لها في زمنها إذ انتصرت، معيداً إنتاج ذاته بأقنعة جديدة تخفي تحتها جينات انتهازية خالصة.
وهو ما يحتّم اليوم - وأكثر من أي وقت مضى - بناء وعي نقدي يرفض تسليم رواية المأساة السورية لهذه الأدوات الملوّثة، ويقف سداً أمام محاولاتها تشويه سردية الثورة وشهدائها وتفريغها من مضمونها وحقائق أحداثها.