بقلم: [ احمد بن درهوم ]
في عمق الحراك الاجتماعي الذي تشهده محافظة حفر الباطن، تبرز مبادرة "من أجلهم تجمعنا" في نسختها الثالثة كظاهرة تتجاوز في جوهرها مجرد "اتفاقية تعاون" بين جهة صحية وأخرى خيرية. إنها رحلة بحث عن "الإنسان" داخل المنظومة المؤسسية، حيث يلتقي مبضع الجراح بدمعة اليتيم، لا ليداوي جرحاً جسدياً فحسب، بل ليرمم تصدعات الروح ويخلق نسيجاً مجتمعياً لا يترك أحداً خلف الركب.
ما وراء "الرعاية الصحية"
لطالما نُظر إلى المؤسسات الصحية كقلاع للطب الوقائي والعلاجي، لكن تجمع حفر الباطن الصحي قرر عبر هذه المبادرة أن يكسر هذا القالب الجامد. فمن خلال شراكته مع جمعية "تراؤف"، أثبت أن "الصحة" مفهوم شمولي؛ يبدأ من كفاية اليتيم المادية، مروراً باستقراره النفسي، وصولاً إلى أمنه الصحي. لم تعد الكفالة هنا مجرد استقطاع مالي، بل أصبحت "علاجاً" للمُعطي قبل الآخذ، وتكريساً لثقافة المسؤولية التي تجعل الممارس الصحي يشعر بأنه حارس للأمل قبل أن يكون موزعاً للدواء.
"تراؤف" وذكاء الشراكة
على الطرف الآخر، أثبتت جمعية "تراؤف" أن العمل الخيري الحديث لا يقتصر على طلب العون، بل على صناعة "فرص الخير". فمن خلال مبادرة "من أجلهم تجمعنا"، قدمت الجمعية نموذجاً للذكاء المؤسسي في استثمار الكوادر النوعية (الممارسين الصحيين) ليكونوا هم السفراء والداعمين. هذا النوع من التكامل يجسد رؤية المملكة 2030 في تحويل القطاع الثالث من الرعوية إلى التنموية المستدامة، حيث يصبح المجتمع هو الكفيل وهو الحامي.
الأثر المنسي: وجدان حفرالباطن
إن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة ليست في عدد "الكفالات" المنجزة فحسب، رغم أهميتها الرقمية، بل في الأثر الوجداني الذي تتركه في حفرالباطن . فعندما يتسابق منسوبو تجمع حفرالباطن الصحي لكفالة يتيم، هم يرسخون رسالة مفادها: "نحن هنا من أجلكم.. بكل ما نملك". هذا التلاحم يحول حفر الباطن إلى ورشة عمل كبرى للقيم الإنسانية، ويجعل من "من أجلهم تجمعنا" بوصلة ترشد بقية القطاعات نحو كيفية صناعة الأثر.
إننا أمام مشهد إنساني مهيب، يعيد صياغة مفهوم "الرفق" في قوالب عصرية. "من أجلهم تجمعنا" ليست مجرد شعار، بل هي بيان عملي على أن الطب لا يكتمل إلا بلمسة حانية، وأن اليتيم في مجتمعنا ليس مسؤولية جهة، بل هو نبض في قلب كل مؤسسة. شكراً لتجمع حفر الباطن الصحي وجمعية تراؤف على هذا الدرس الذي يعلمنا أن أعظم شفاء للقلوب هو العطاء.