🔴 كان المراهق السوداني "النذير الصادق" يقف برفقة أصدقائه أمام محل سكنه بالقاهرة، يحمل في جيبه مستندات تُثبت وضعه القانوني في مصر وبطاقة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
◾ لم يكن النذير يُخفي شيئًا، ولم يكن هاربًا، حسبما حكى أهله لصحيح مصر؛ لكن في 18 يناير الماضي، أُلقي القبض عليه فجأة، دون توجيه اتهامات.
◾ من هناك بدأت رحلة احتجاز استمرت 25 يومًا داخل قسم شرطة مدينة بدر، انتهت بوفاته، في واقعة أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية، بعدما تداول ناشطون روايات عائلته عن ظروف احتجازه القاسية.
◾ تروي عائلة النذير لصحيح مصر أن النذير كان في الصف الثالث المتوسط بالعاصمة السودانية الخرطوم، حين اضطرتهم أهوال الحرب إلى الفرار في عام 2023، بحثًا عن الأمان، تاركين الأهل والأصدقاء، معتبرين أن مصر كانت محطة النجاة التي لجأوا إليها.
◾ لكن رحلة النجاة لم تكتمل، إذ تحكي عائلة النذير أن لحظات القبض عليه كانت صادمة: "مفيش تهمة.. معاه وثيقة، وضعه قانوني". ورغم ذلك، اقتيد إلى القسم وبقي هناك حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، لتتحول قصة لجوءه من رحلة بحث عن الأمان إلى حكاية تنتهي داخل محبس.
🔴 25 يومًا تحت البرد والانتظار
◾ بحسب ما أُبلغت به العائلة، لم يُحتجز النذير داخل غرفة مغلقة، بل في مكان مكشوف، في "حوش مكشوف" خارج المباني، يواجه برد الشتاء القاسي بلا ملابس ثقيلة تقيه الصقيع، ولا بطاطين، ولا فراش مناسب. تقول أسرته إنه لم يكن يحصل على طعام أو شراب كافٍ، في ظروف تصفها بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.
◾ وتضيف العائلة أن الصدمة لم تتوقف عند قسوة المكان، بل امتدت إلى طبيعة الاحتجاز نفسه. فقد أُبلغوا بأنه كان محتجزًا مع بالغين، من بينهم متهمون في قضايا جنائية. "مراهق يُحتجز بجوار متهمين كبار"، هكذا تصف الأسرة المشهد، متسائلة عن وضع ابنهم الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة في بيئة لا تشبه عمره ولا وضعه القانوني.
◾ بعد 25 يومًا من الاحتجاز، وقبل وفاته بيوم واحد، زارته والدته في قسم شرطة بدر، حيث كان مسموحًا لها برؤيته كل يوم جمعة. في تلك الزيارة، بدا عليه الإعياء. أخبرها أنه يشعر بالمرض، وأن صدره يؤلمه من شدة البرد، وطلب منها أن تحضر له مضادًا حيويًا في المرة المقبلة. تقول الأسرة إنه أُصيب بالتهاب صدري نتيجة البرد وسوء ظروف الاحتجاز. وبالفعل، أحضرت له الدواء في زيارتها التالية، والتي كانت الأخيرة.
◾ بعد نحو يوم من تلك الزيارة، وبينما كانت الأم تظن أن الدواء قد يخفف آلامه، تلقت اتصالًا من قسم الشرطة يُبلغها بوفاة ابنها. طُلب منها التوجه إلى النيابة لاستكمال إجراءات الدفن واستلام الجثمان، الذي نُقل إلى مستشفى بدر، ثم إلى مشرحة زينهم. كانت ليلة الخميس 12 فبراير 2026 داخل قسم شرطة بدر، حيث انتهت رحلة احتجاز بدأت بلا تهمة وانتهت بفقدان حياة.
🔴 خوفٌ لا ينتهي… والأسرة تطالب بالحقيقة
◾ يقول أحد أفراد العائلة لصحيح مصر، إن الحزن لم يكن وحده ما خيّم على البيت بعد الوفاة، بل الخوف أيضًا. فالشقيق الأكبر للنذير بات ملازمًا للمنزل، إذ تخشى الأسرة أن يخرج فيُلقى عليه القبض هو الآخر، حتى إنهم ترددوا في ذهابه إلى مشرحة زينهم لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على شقيقه، خشية أن تتحول لحظة الفقد إلى مأساة جديدة.
◾ ويضيف أحد أقارب الراحل: "كان طفلًا… بغضّ النظر عن جنسيته أو وضعه، له الحق في الأمان والكرامة والحماية بموجب القانون الدولي".
◾ وتطالب الأسرة بفتح تحقيق مستقل وشفاف لكشف ملابسات احتجازه وظروف وفاته، ومحاسبة المسؤولين إن ثبت وقوع أي تجاوز، حتى لا تتكرر المأساة مع غيره.
🔴 مأساة متكررة خلال الأيام الماضية
◾ في سياق متصل، وفي الخامس من فبراير 2026، توفي أيضًا مسن سوداني يُدعى مبارك قمر الدين مجزوب عبد الله، البالغ من العمر 67 عامًا، داخل قسم شرطة الشروق بمحافظة القاهرة، بعد تسعة أيام من احتجازه، على خلفية حملة أمنية موسعة استهدفت اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر خلال الأشهر الماضية، وزادت حدّتها مطلع العام الجاري.
◾ وكان مبارك قمر الدين يحمل بطاقة ملتمس لجوء صادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمصر في أكتوبر 2025، وصالحة حتى أبريل 2027، الأمر الذي يقرّر له صفة قانونية واضحة، وهي ملتمس لجوء خاضع لحماية دولية، ويُحظر تعريضه للتوقيف أو الاحتجاز التعسفي لمجرد وضعه كمهاجر أو لاجئ، وفقًا لقواعد قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، ومبدأ عدم الإعادة القسرية، وحظر التمييز.
◾ وبحسب ما وثّقته "منصة اللاجئين في مصر"، فقد تم توقيفه بتاريخ 26 يناير 2026 أثناء قيامه بشراء احتياجات المنزل — وهو نمط متكرر لاستهداف اللاجئين — دون تفسير أو توضيح المبررات القانونية لأسباب استيقافه، في مخالفة صريحة للمادة 54 من الدستور المصري، التي تشترط صدور أمر قضائي مُسبَّب لتقييد الحرية، وإبلاغ الشخص بأسباب القبض عليه، وتمكينه من الاتصال بذويه ومحاميه فورًا.
◾ وتم توقيف الراحل وهو يحمل ما يثبت تقدّمه بطلب لاستخراج تصريح إقامة، متضمنًا رقم تسجيل مرجعيًا لدى وزارة الخارجية، وموعدًا محددًا لاستخراج التصريح في 2 سبتمبر 2027، الأمر الذي ينفي توافر أي مبرر قانوني للتعامل معه كـ"شخص مخالف لشروط الإقامة" أو استهدافه بسبب وضعيته الإدارية.
◾ وتم احتجاز مبارك قمر الدين هو الآخر في حجز قسم شرطة الشروق في ظروف غير إنسانية، من حيث الاكتظاظ الشديد، وغياب أماكن ملائمة للنوم، وضعف التهوية، وسط حرمانه والمحتجزين الآخرين من الرعاية الطبية الفورية والمنتظمة، رغم ظهور مؤشرات واضحة على تدهور حالته الصحية خلال فترة احتجازه. كما أفادت شهادات سابقة لأسرته، التي لم تُخطر فورًا بتدهور حالته الصحية، ولم تُمنح فرصة فعلية لمتابعة حالته أو نقله في الوقت المناسب إلى مستشفى مناسب.
◾ ووثّقت "منصة اللاجئين في مصر"، في تقرير لها، إضافة إلى منظمات حقوقية وصحفية، توسعًا ملحوظًا في حملات التوقيف والاحتجاز والترحيل، من نقاط العبور والحدود إلى عمق المدن الكبرى في مصر، خلال عام 2024 والنصف الأول من 2025. وزادت تلك الحملات في النصف الثاني من 2025 وحتى بداية 2026، مع أنماط متكررة لمصادرة بطاقات المفوضية، وتجاهل صفة اللجوء، وترحيل آلاف السودانيين الفارّين من الحرب.
◾ ورصدت منصة اللاجئين، في تقاريرها، احتجاز مئات السودانيين بين أبريل وأغسطس 2025 في القاهرة الكبرى والإسكندرية ومطروح، إضافة إلى أكثر من 1500 حالة احتجاز متبوع بالترحيل منذ أغسطس من العام نفسه، في مسار تصاعدي تُوّجته نهاية 2025 بحملة هي الأوسع من نوعها.
◾ وشملت هذه الحالات لاجئين وطالبي لجوء يحملون بطاقات المفوضية، وأبلغ بعضهم عن مصادرة هذه البطاقات أثناء الاحتجاز، بل وعن تغيير أو تزييف صور ملفاتهم لإظهارهم كأشخاص ضُبطوا قرب الحدود دون أوراق أو حماية، في انتهاك صارخ لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وللضمانات الإجرائية الأساسية التي تكفل الحق في مراجعة قانونية فعّالة قبل أي إجراء إبعاد.
#صحيح_مصر
📨 لو عندك تصريح، خبر، بوست أو تغريدة عايز تتأكد من دقته ومدى صحته.. فريق صحيح مصر على استعداد لتلقي رسائلكم واستفساراتكم عن أي معلومة مشكوك في صحتها، عبر رسائل الصفحة أو على الايميل info@saheeh.news