في أحد الأحياء الهادئة في الرياض كانت تعيش “نورة” مع أسرتها الصغيرة. بيت بسيط، أب يعمل لساعات طويلة، وأم تُحاول أن تُمسك أطراف الحياة بيدين متعبتين، وثلاثة أطفال لكل واحدٍ منهم عالمه الخاص.
كان أكبرهم “سلمان”، في الرابعة عشرة من عمره. لم يكن سيئًا… لكنه تغيّر.
انخفض مستواه الدراسي.
أصبح صامتًا أغلب الوقت.
سريع الغضب، سريع الانسحاب.
كانت الأم تقول:
– “هذا عمر المراهقة… كله دلع.”
وكان الأب يرد بحدّة:
– “لو انشغل بشيء مفيد ما صار كذا.”
لم يكن أحد يسأل:
لماذا؟
في المدرسة، بدأت الشكاوى تتكرر. شجار هنا، إهمال هناك، واجبات لا تُسلّم. وفي كل مرة يُستدعى فيها ولي الأمر، يعود الأب غاضبًا، ويعود سلمان أكثر انغلاقًا.
في إحدى الليالي، سمعت نورة ابنها يبكي بصوتٍ مكتوم. لم يكن بكاء طفل مدلّل، بل بكاء روحٍ مُنهكة. ترددت… ثم طرقت الباب.
كان يجلس على الأرض، يحتضن ركبتيه.
قالت بهدوء لم تعتده منه:
– “وش فيك يا يمّه؟”
صمت طويل… ثم قال:
– “أنا تعبت.”
لم يقل أكثر من ذلك. لكن تلك الكلمة كانت أثقل من كل الشكاوى السابقة.
في اليوم التالي، قررت الأم أن تفعل شيئًا مختلفًا. لم تذهب لتدافع عنه، ولم تذهب لتوبّخه. بل طلبت جلسة مع الأخصائية الاجتماعية في المدرسة.
جلست أمامها وقالت:
– “أنا ما جايه أشتكي… أنا جايه أفهم.”
بدأت الصورة تتضح.
سلمان كان يتعرّض للتنمّر بسبب نحافته.
يشعر أن والده لا يراه إلا عند الخطأ.
يخاف أن يفشل… لأنه يظن أن قيمته مرتبطة بدرجاته فقط.
لم يكن متمردًا…
كان خائفًا.
عادت الأم إلى المنزل بعينين مختلفتين. لم تعد ترى “ولدًا مهملًا”، بل طفلًا يحاول النجاة بطريقته.
في تلك الليلة، جلس الأب بجانبه دون صراخ. قال له:
– “أنا يمكن قصّرت… بس ترى وجودك أهم عندي من أي درجة.”
لم تُحل المشكلة في يوم.
ولم يتحوّل سلمان فجأة إلى طالب مثالي.
لكن شيئًا تغيّر.
صار هناك حوار.
صار هناك سؤال قبل الحكم.
صار هناك احتواء بدل العقاب السريع.
بعد أشهر، تحسّن مستواه قليلًا… لكن الأهم أنه بدأ يبتسم أكثر. صار يعود من المدرسة ويتحدث. لم يعد البيت ساحة تحقيق، بل مساحة أمان