مقال: فقدوا رمضان!
بقلم: م.محمد إلهامي
هذا باب من الكلام مؤلم ومرير، ومع هذا فمن النافع المفيد أن نعرفه ونتأمله ونستزيد منه، فهو من الأبواب المغفول عنها في كتب الرقائق والتزكية، ثم هو من الأبواب المغفول عنها في التعريف بشهر رمضان وقدره!
ها نحن نتهيأ لاستقبال شهر
#رمضان، ونُقدم على أيامه فرحين مسرورين، لا يخطر لنا شيء من أنواع المشقة.. فكيف إذا عرفنا أن بعض المسلمين كان يضحي بحياته لكي يتمكن من صيام رمضان وقيامه؟!
سنعرف حين نعرض لقصص هؤلاء المسلمين أن شهر رمضان نعمة عظمى، وأنه ليس يشعر بها إلا من فقدها..
ويكفينا لتقدير هذه النعمة ومعرفة عظمتها أن نتوقف أمام هذا الوصف النبوي له بأنه "نفحة ربانية"، ولعل الذي يتعرض لها فتصيبه ألا يشقى بعدها أبدا!
وقبل أن ندخل في حكاية الذين فقدوا رمضان، والذين ضحوا بحياتهم من أجله، أحب أن أذكر سريعا بثلاثة أمور في هذا الشهر الكريم، أو بالأحرى: ثلاث فرص غالية، كل واحدة منها تكفر الذنوب الماضية، فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم:
من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه
ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه
ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه
وتكفير الذنوب أمرٌ لا يقدره حق قدره إلا المؤمنون، وإذا أردنا تقريبه لأذهاننا التي تلوثت وتلطخت بالصبغة المادية، فهو يشبه لدى المدين "إسقاط كافة الدين"، ويشبه لدى الغارم "العفو عن كل الغرامات".. وهكذا!
وإذا كنا سنفتح صفحات التاريخ، فإن أعظم دروس التاريخ على الإطلاق أن كل الناس تموت، وأن الدنيا زائلة.. كل الذين سنذكرهم الآن ماتوا، ومات أبناؤهم وأحفادهم، وأحفاد أحفادهم، وأحفاد أحفاد أحفادهم.. كل الذين على هذه الأرض الآن لم يكونوا موجودين قبل مائة عام.. وكل الذين عليها الآن لن يكونوا موجودين بعد مائة عام قادمة.. سيتبدل الناس، وسيصير الجميع في القبور.. وكل هؤلاء لا يتمنى الواحد فيهم أكثر من أن يغفر له ذنبه، أو أن يزداد من العمل الصالح!
وأنت في هذه اللحظات التي بدأت تقرأ فيها هذه السطور، وحتى وصلت إلى هذه الكلمة.. هل تدري أنه قد مات ملايين الناس، ذلك أن الدقيقة الواحدة يموت فيها قرابة سبعين مليون شخص؟!.. كل هؤلاء الآن قد واجهوا حقيقة هذه الدنيا، وكلهم يتمنى أن لو عمل في حياته عملا صالحا يحسن به مصيره الحقيقي في الآخرة.
والآن تعالوا أحكي لكم القصة..
أحدثكم اليوم عن قصة المسلمين الأندلسيين بعد سقوط الأندلس، أولئك القوم الذين ضربوا مثالا أسطوريا في محاولة الحفاظ على دينهم، تحت ظروف في غاية القسوة، ظروف لا ترحم.
بثت قناة قناة الجزيرة فيلما وثائقيا قبل أكثر من عشر سنوات، بعنوان "المساء الأخير"، وفيه عرضت قصة إسباني دخل في الإسلام، وبينما هو يصلي رأته أمه، فسألته: ماذا تفعل؟ قال: هذه هي الصلاة في الإسلام. فقالت له أمه المسنة: لقد كنت وأنا صغيرة، أرى جدي يصحو قبل شروق الشمس، فيغسل أعضاءه بالماء مثلما تفعل الآن، ثم يفعل نفس هذه الحركات!
وهنا كانت المفاجأة: لقد اكتشف الإسباني الذي أسلم، أنه من عائلة مسلمة، وأن جدّ أمه ظل يحافظ على الصلاة حتى ستين سنة مضت! أي أن من المسلمين من ظل متمسكا بدينه أكثر من أربعة قرون سرًّا!!
ويا لها من أسطورة!!
وقد احتفظت لنا صفحات التاريخ ببعض وجوه العظمة التي كان عليها أجدادنا الأندلسيون.. وإليك طرفا منها!
لما سقطت الأندلس، وزال حكم الإسلام منها، ونقض الإسبان ما كانوا قد عاهدوا المسلمين عليه من ترك الحرية الدينية لهم، وجد المسلمون أنفسهم تحت حملة في غاية الشراسة والشدة، استمرت معلنة أكثر من مائة سنة، ثم استمرت سرًّا ثلاثة قرون أخرى!
كان محرما على المسلمين أن يبقوا مسلمين: إما التنصر وإما الموت، وفي أوقات بسيطة سُمح لهم بخيار ثالث هو: مغادرة الأندلس. وحين كان يتاح هذا الخيار كانوا يُهرعون إليه، إلا أنهم إذا اختاروا الرحيل ومغادرة الأندلس كانوا يُحرمون من أبنائهم فكان الإسبان ينتزعون منهم أطفالهم باعتبار أن الأطفال نصارى، ويتخلون عن أملاكهم، ويكونون تحت رحمة البحارة النصارى الذين ربما غدروا بهم وباعوهم عبيدا في فرنسا أو إيطاليا أو ألقوا بهم عبيدا في الأمريكتين!!
وكان هذا العصر هو عصر محاكم التفتيش.. تلك المحاكم الجهنمية التي كانت تجعل نفسها رقيبة على الضمائر والقلوب، فتبذل جهدها بوسائل الترهيب والتعذيب في التحقق مما إن كان هذا المتهم لا يزال في صدره بعض إسلام أم لا.. فإن كان كذلك فمصيره ميتة بشعة، بأدوات تعذيب شيطانية! وإن لم يكن فيكفيه أنه نجا بحياته بعد أن يكون قد خسر أمواله وممتلكاته كذلك.
صفحات تاريخ رهيبة كتبت فيها كثير من المؤلفات، وكثير من هذه المؤلفات كتبها باحثون إسبان وأوربيون أيضا.
ما يهمنا الآن هي قصة المسلمين الذين اجتهدوا ليصوموا رمضان في مثل هذه الظروف القاسية!
في كتاب "دولة الإسلام في الأندلس" للمؤرخ المصري محمد عبد الله عنان، يذكر لنا في المجلد الأخير "نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين" أنه بعد مائة عام من سقوط الأندلس، ومن خلال سجلات محاكم التفتيش، أن قرية مسلاته الموريسكية، المهم أن هذه القرية اتُّهم فيها أربعون أسرة بصيام شهر رمضان!
فهنا ترى أن المسلمين ظلوا يورثون أبناءهم عبادات الإسلام بعد مائة عام!! حتى أنهم اكتشفوا في قرية واحدة أربعين أسرة تصوم.. هذا بخلاف ما لم يكتشفوه، بخلاف ما هو في سائر القرى!
وفي سجلات محاكم التفتيش تظهر بعض البلاغات التي أبلغ فيها النصارى عن المسلمين، التي نرى منها حجم تشوق المسلمين لشهر رمضان، وحجم انتشاره الصوم فيهم، فمثلا تم الإبلاغ عن مسلمة سُمِعت تقول لمسلم آخر إنها ذهبت إلى فضاء القرية لترى الهلال. وكذلك أبلغ عن مسلم نقَّاش رآه أحدهم يتطلع في السماء فسأله: ماذا تفعل؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟ فقال النقاش المسلم إنه جاء لرؤية الهلال، فقال الشاهد: تريد أن تصوم؟ فقال النقاش: أجل، فهناك في أراغون (منطقة في إسبانيا الآن) يصوم الجميع"!
وهنا يبدو أن المسلم ظن نفسه يكلم مسلما، أو ربما كان المُبَلِّغ أحد المسلمين الخونة، فهذا الصنف يظهر في أوقات الشدة ليتقرب إلى أعداء المسلمين.
من أهم الكتب التي تناولت أحوال المسلمين الأندلسيين بعد السقوط في جزئية عباداتهم الدينية تحديدا: كتابان على وجه التحديد، الكتاب الأول هو كتاب الباحثة الإسبانية مرثيدس جارثيا أرينال "محاكم التفتيش والموريسيكيون"، وهو مترجم وصادر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، وكتاب المؤرخ الإسباني بيدرو لونجاس "حياة الموريسكيين الدينية"، وهذا الكتاب يعتمد على المخطوطات المكتشفة من تراث الموريسكيين أنفسهم، والتي كانوا يكتبونها للمحافظة على الدين وتعاليمه!
في كتاب مرثيدس أرينال تذكر معلومة مهمة جدا، تقول: "بشكل رئيسي فإن العبادات الأكثر رسوخا في حياة الموريسكيين، والتي يرد ذكرها في كل المحاضر تقريبا، هي صيام رمضان، والطهارة، والصلاة".
وتضيف أيضا: "بدون أدنى شك، صيام رمضان هو العبادة الدينية الأكثر تأصلا في حياة المسيحي الجديد، وفي الغالب هي أكثر عبادة يحافظ عليها الجميع. ويمكن القول بأنه آخر مظهر إسلامي من حيث التلاشي... وإضافة إلى كونه شعيرة دينية، إلا أنه سيتحول إلى ملمح للتميز الثقافي، ويصبغ الشخص الذي يحافظ عليه بصبغة خاصة... طابعه الجماعي يجعل منه العبادة الأكثر تأصلا، وبالتالي الأكثر تميزا".
بل حافظ المسلمون على وسيلة المسحراتي، فكان بعض المتطوعين المنظمين يخرجون ليطرقوا على الأبواب ليلا حتى يرد ساكنوها عليهم.. وهذا نوع من المخاطرة!
ولا ريب أن المرء حينما يطالع مثل هذه الأخبار، يحزن ويتحسر أن بعض المسلمين يهملون أمر الصيام وهم في مجتمعات مسلمة، وكيف أنهم يتخلون عن آخر شيء تخلى عنه أجدادهم المسلمون في أشد البيئات قسوة وشدة.
لم يحافظ المسلمون على الصيام فحسب، بل كانوا يصومون أيضا الأيام الستة من شوال، ويسمونها الستة البيض، ويحافظون على احتفال عيد الفطر بارتداء الثياب الجديدة أو النظيفة وإخراج الصدقات على فقرائهم.. وكانوا يصومون أيضا من الأيام العشر من ذي الحجة، ويوم عاشوراء، بل منهم من كان يصوم صيام داود، يصوم يوما ويفطر يوما.. ومنهم من كان يحافظ على الاعتكاف لتسعة أيام.
ثمة من المسلمين من قُبِض عليه أثناء استطلاعه لهلال رمضان، وذات مرة قبض على نصف قرية لهذا السبب، تقول أرينال: "كان هناك قلق عند انتظار الهلال ومراقبته، وكانوا ينقلون خبر ظهوره بين القرى المجاورة، ويتناقشون حوله. وتسبب هذا الاهتمام بهلال رمضان في محاكمة عدد ليس بالقليل من الموريسكيين. ففي عام 1570، تم القبض على نصف القرية لأنهم خرجوا إلى أماكن الفضاء لرؤية ظهور هلال رمضان، ولما دار جدل حول ما إذا كان الهلال ظهر أم لا انقسموا إلى جماعات متفرقة، وبدأت كل جماعة تدافع عن موقفها بصوت عال، وبالتالي علمت السلطات وقبضت عليهم"!
ولأن المصير كان هو الموت حرقا وتعذيبا، فقد كانت للمسلمين تحايلات كثيرة، وبعض هذه التحايلات كانت تتعلق بالعبادة نفسها، وتقصير وقتها، أو تعويضها في أيام أخرى، ومنها ما فعلوه طبقا لفتاوى من علماء المغرب، أو حتى أفتى بعضهم لبعض بها (مع مراعاة تناقص وانقراض العلماء تدريجيا في بيئة الموريسكيين)..
فمن هذه التحايلات أنهم كانوا يعوضون صيام أيام رمضان في مواسم جني العنب، حيث يخرجون من بيوتهم في القرية، إلى البيوت التي أنشؤوها في الحقول والمزارع، حيث يتجنبون المراقبة اللصيقة بهم، بحجة أنهم يعملون الزبيب. يذكر المؤرخ الإسباني خوليو كارو باروخا، أنه في بداية القرن السابع عشر، يعني بعد حوالي 120 سنة من سقوط الأندلس أن المسلمين كانوا يتحايلون على السلطات الإسبانية، وفي بيوتهم تلك يصومون رمضان ويحتفلون بعيد الفطر، وأنهم كانوا يفرحون ويستبشرون بالمولود الذي يولد في تلك الفترة، لأنهم يتجنبون بهذا تعميدهم في الكنيسة.
ومن هذه التحايلات أنهم لم يكونوا يتمّون صيام شهر رمضان كله، بل كانت الأكثرية تكتفي بصيام نصف الشهر أو اثني عشر يوما منه، أو تستغل فترة السفر، فتصوم طوال مدة السفر، لأن هذا يجنبهم المراقبة والوشايات التي يمكن أن تصدر عن جيرانهم إذا لاحظوا امتناعهم عن الطعام والشراب.
ومن فتاوى هذه الحقبة، أن يدفع المسلم الكفارة إن كان لا يستطيع الصوم، كأن يكون عاملا في بيت مسيحي ولا يستطيع إلا أن يأكل في الأوقات التي يأكل فيها سيده، فعليه أن يطعم فقيرا، ومثل ذلك من كان مسجونا في سجن محكمة التفتيش أو مأسورا عند بعض المسيحيين.
وكذلك المسلمين الذين يعملون في النقل، وقد كان هؤلاء كثرة، فهذا إذا اضطر إلى صحبة مسيحي في سفر أقل من العذر الشرعي، وعرض عليه المسيحي الطعام، وخاف المسلم أنه إذا لم يأكل أن يثير الريبة فيبلغ عنه، فله أن يأكل أقل الممكن ويبقى صومه قائما، ونيته منعقدة على إكمال اليوم.. فإذا أكل كثيرا فعليه الكفارة!
والموريسكي إذا مات قبل أن يقضي الأيام التي اضطر إلى فطرها، فعلى أقاربه التصدق عنه أو الصيام بديلا عنه.
لا يتسع المقام لمزيد بسط عن أحوال الأندلسيين في زمن اضطهادهم، وما كانوا يفعلونه للحفاظ على الصيام، فضلا عما كانوا يفعلونه من التمسك بالعبادات الأخرى كالوضوء والصلاة والزكاة والزواج والولادة وحتى الدفن، وكيف اجتهدوا ببسالة عظيمة في حفظ دينهم وتعليمه، لكني أرجو القارئ وأوصيه كثيرا أن يقرأ تاريخ هؤلاء، فإنه تاريخ يزيد المؤمن إيمانا، وهو يزكي نفسه ويطهر قلبه، بما يرى من أفعال هؤلاء!
وفي الوقت نفسه، يجب ألا ننسى أشباه هؤلاء في عالمنا المعاصر الآن، وأقصد بهم المسلمين في تركستان الشرقية، والمسلمين في بعض مناطق الهند، والمسلمين في بعض المناطق الإفريقية.. هؤلاء المسلمون لا يتمكنون من صيام رمضان لأن السلطات تجبرهم على الإفطار، ولأن البيئة المحيطة بهم تترصد لهم وتبلغ عنهم إذا عرفوا أنهم يصومون.. طبعا نحن نرى بوضوح ما يحصل من اضطهاد بسبب الحجاب لأنه ظاهر، أما ما يحصل من الاضطهاد بسبب الصيام فيكون أكثر خفوتا.. فأرجو أن يهتم المسلم بحال إخوانه في هذه البلاد.. يهتم لحالهم لمصلحة نفسه، فهو حين يطلع على أحوالهم يزداد إيمانا وتمسكا بدينه، ثم يهتم لحالهم لواجب الأخوة الذي فرضه الله علينا وألزمنا به.
@drassagheer
@melhamy