"هناك نكتة روسية تقول:
اتصل جوزيف ستالين برئيس جهاز الشرطة وأخبره بفقد ساعة ثمينة من غرفة نومه. وبعد نصف ساعة وجدها في الحمام، فعاود الاتصال طالبا إيقاف البحث والتحقيق
فجاءه الرد:
لقد اتصلت متأخرًا يا سيدي ليس بمقدورنا الآن إيقاف أي شيء، فقد اعتقلنا خمسة أشخاص مشتبهًا بهم، واعترف ثلاثة منهم بسرقة الساعة.
ليست هذه النكتة مجرد طرفة عابرة من تراث الدعابة الروسية، بل هي مكثّف رمزي لمرحلة كاملة من تاريخ الاتحاد السوفيتي، بل لجوهر الأنظمة الشمولية عمومًا. إنها نص قصير، لكنه يعمل كعدسة مكبّرة تكشف العلاقة المعقدة بين السلطة والخوف والحقيقة والإنسان.
سيكولوجيًا، تقوم النكتة على مفهوم «الاعتراف تحت الضغط»في المجتمعات الطبيعية، الاعتراف نتيجة اقتناع داخلي أو دليل موضوعي. أما في أنظمة الرعب، فالاعتراف هو الهدف ذاته. يصبح الفرد مادة لقولبة السلطة، ويغدو الاعتراف فعلًا دفاعيًا لا اعترافًا حقيقيًا. تحت سلطة الخوف، يعيد العقل تشكيل الحقيقة لينجو الجسد. الاعتراف هنا ليس تعبيرًا عن حدث، بل عن ميزان قوة مختل.
الخوف حين يتحول إلى مناخ عام، لا يعود شعورًا فرديًا بل بنية اجتماعية. المواطن لا يخشى فقط العقوبة، بل يخشى الاشتباه. والاشتباه في الأنظمة المغلقة ليس احتمالًا، بل قدرًا مؤجلًا. لذلك يعترف ثلاثة بسرقة ساعة لم تُسرق؛ لأن الاعتراف يصبح أحيانًا أقل كلفة من الصمود. إنها سيكولوجيا الانكسار التدريجي، حيث يفضّل الإنسان نهاية معروفة على انتظار مجهول أكثر قسوة.
أدبيا، النكتة تنتمي إلى ما يُعرف بـ«السخرية السوداء». الضحك هنا ليس للمتعة، بل للتخفيف من وطأة واقع ثقيل.إنها آلية دفاع جمعي. المجتمعات التي تُمنع من النقد المباشر تطوّر النكتة كأداة مقاومة رمزية. الدعابة تصبح نصا مشفرا، يتداول فيه الناس الحقيقة التي لا يمكن قولها علنا. بهذا المعنى، النكتة الروسية لم تكن مجرد تسلية، بل أدبا شفهيا مقاوما.
البنية السردية للنكتة بسيطة لكنها دقيقة:
– حدث أول (فقدان الساعة)
– تصعيد سريع (بدء الاعتقالات)
– انعطاف مفاجئ (العثور عليها)
– مفارقة ختامية (الاعترافات الجاهزة)
هذه البساطة تمنحها قوة؛ لأن القارئ يملأ الفراغات بنفسه. لا يُذكر التعذيب، ولا الضغط، ولا الرعب…ومع ذلك يحضر كل ذلك ضمنا. الأدب العظيم لا يقول كل شيء، بل يترك القارئ يرى ما وراء الكلمات.
فلسفيا، تطرح النكتة سؤال الحقيقة في ظل السلطة. هل الحقيقة ما حدث فعلا؟ أم ما تقرره السلطة؟ في الأنظمة الشمولية، تتحول الحقيقة من واقعة موضوعية إلى قرار إداري. السلطة لا تبحث عن الواقع، بل عن انسجام الرواية. الاعترافات الثلاثة تخلق «حقيقة رسمية» حتى لو كانت باطلة. هنا يصبح السؤال: هل الحقيقة مستقلة عن القوة؟ أم أن القوة تعيد تعريف الحقيقة؟
هذا يقودنا إلى إشكالية أعمق: الفرق بين «العدالة» و«الانضباط». العدالة تسعى إلى معرفة ما وقع. أما الانضباط السلطوي فيسعى إلى تثبيت النظام بأي ثمن. لذلك، حتى بعد العثور على الساعة، لا يمكن إيقاف التحقيق؛ لأن المسألة لم تعد ساعة، بل مسألة هيبة جهاز. التراجع يضعف صورة السيطرة، لذلك يُستكمل الخطأ بدل تصحيحه.
تاريخيًا، تعكس النكتة مناخ ما عُرف بمرحلة التطهير الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، حين تحولت أجهزة الأمن إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمع عبر الخوف. لم تكن الاعتقالات دائمًا نتيجة جريمة، بل أحيانا نتيجة حاجة النظام إلى «أعداء». في مثل هذا المناخ، يصبح الاعتراف نتيجة طبيعية لبنية سياسية قائمة على الشك الممنهج.
الأمر اللافت أن النكتة لا تهاجم ستالين مباشرة، بل تكشف عبث النظام كله. فحتى لو أراد القائد إيقاف التحقيق، فإن الآلة الأمنية أصبحت مستقلة بذاتها. كأن النظام الذي بُني على الخوف تجاوز حتى صانعه. هنا يظهر البعد التراجيدي: السلطة المطلقة تخلق جهازا لا يستطيع التراجع، لأن التراجع اعتراف ضمني بالخطأ، والخطأ غير مسموح به في خطاب العصمة الثورية.
اجتماعيًا، النكتة تشير إلى ظاهرة أخطر: تطبيع الظلم. حين يضحك الناس على مثل هذه القصص، فهم في الوقت نفسه يعترفون بواقعها. الضحك يصبح شكلا من أشكال التأقلم. إنه اعتراف جماعي بأن العدالة لم تعد المرجعية، بل القوة.
في عمقها، هذه النكتة ليست عن ساعة، بل عن هشاشة الإنسان أمام آلة السلطة حين تنفصل عن الضوابط الأخلاقية والقانونية. وهي تذكير دائم بأن دولة القانون تقوم على قرينة البراءة، بينما دولة الخوف تقوم على قرينة الاشتباه. في الأولى، الاعتراف نتيجة تحقيق. في الثانية، التحقيق وسيلة لانتزاع اعتراف.
إنها نكتة قصيرة، لكنها تكشف معادلة خطيرة:
حين تخاف الحقيقة من السلطة، يصبح الاعتراف بديلا عنها.
وحين تُختزل العدالة في سرعة الإنجاز، يُخلق مذنبون أسرع من وقوع الجريمة.
وهكذا، نضحك…لا لأن الأمر طريف،
بل لأن السخرية كانت أحيانًا آخر ما تبقى للناس من حرية"