ذكريات مره من واشنطن دي سي
في أحد أيام واشنطن، وكنتُ أستاذًا شابًا في بدايات حياتي الأكاديمية في جامعة جورجتاون، دعاني كاتب النيويوركر الشهير ميلتون فيورست إلى الغداء. كان بصدد كتابة مقال عن مصر، واختار أن نلتقي في Café Milano بشارع إن ستريت، قرب شارع ويسكنسن.
جاء الرجل وهو يتوسّم أن يقتنص منّي اقتباسات قصيرة يضمّنها مقاله؛ لعلّه قرأ لي شيئًا في The New York Times أو The Washington Post، فظنّ أنني سأقدّم له جملة جاهزة، تصلح sound bite، تنتقد النظام المصري آنذاك. كان ذلك عام 1998؛ ومبارك، في نظر صهاينة أمريكا، مزعجا وكان مدخلهم المفضّل لنقده حربه مع الجماعات الإسلامية التي سعت لإطاحته.
وككل غداء عمل، بدأنا بحديث متشعّب، غلب عليه الأدب الأمريكي. قلت له إنني جنوبي من صعيد مصر وأميل إلى أدب الجنوب، وأحب وليم فوكنر، ورينولد سبيرايس، وحتى مارك توين. أسهبتُ قليلًا، فحدّق في عيني وقال:
You are smart for an Arab
أنت ذكي… رغم كونك عربيًا.
كنت أعرف هذا النوع من الكلام؛ ما يُسمّى left-handed compliment ( مجاملة باليد اليسرى) أو مدحًا يشبه الذم. لم أعلّق. حملت حقيبتي التي كانت تحوي كتبي، وغادرت الطاولة بلا كلمة وداع. بدا عليه الذهول. وبعد أسبوع، وصلني خطاب اعتذار إلى بريدي في الجامعة.
كان الرجل صهيونيًا وعنصريًا وقحًا. ومنذ تلك الواقعة، تولّد لديّ تحسّسٌ عالٍ لما يقوله صهاينة أمريكا عن قضايانا، وصرت أحذّر أصدقاءنا من عرب أمريكا من الانخداع بمديحٍ يخفي ازدراءه في طيّاته.
تذكّرت ذلك كلّه بمرارة حين سمعت حديث العنصري مايك هاكابي (القسيس القادم من أركنساس، وله أيضًا لهجة جنوبية) وهو يتحدّث عن «حق» إسرائيل في كل أراضي العرب. بدا كلامه عن إسرائيل صريحًا، لكن النصّ الجانبي، والمسكوت عنه، كان أخطر: عدم اعترافه بالعرب، ولا بدينهم، ولا بثقافتهم.
للأسف مازال لدينا دبلوماسيون يظنون ان في الحديث إلى الصهاينة فائده غير مدركين تحذر العنصرية عندهم .
طبعا كلامي غير مقنع بالنسبة للعقلانين والتنويرين الجدد من العرب .